عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
119
اللباب في علوم الكتاب
قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 193 إلى 194 ] رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ( 193 ) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 194 ) « سمع » إن دخلت على ما يصح أن يسمع - نحو : سمعت كلامك وقراءتك - تعدّت لواحد ، فإن دخلت على ما لا يصح سماعه - بأن كان ذاتا - فلا يصحّ الاقتصار عليه وحده ، بل لا بد من الدلالة على شيء يسمع ، نحو سمعت رجلا يقول كذا ، وسمعت زيدا يتكلم ، وللنحويين - في هذه المسألة - قولان : أحدهما : أنها تتعدى فيه - أيضا - إلى مفعول واحد ، والجملة الواقعة بعد المنصوب صفة إن كان قبلها نكرة ، أو حالا ، إن كان معرفة . والثاني : - قول الفارسيّ وجماعة - : أنها تتعدى لاثنين ، والجملة في محلّ الثاني منهما ، فعلى قول الجمهور يكون « ينادي » في محل نصب ، لأنه صفة لمنصوب قبله ، وعلى قول الفارسيّ يكون في محل نصب على أنه مفعول ثان . وقال الزمخشريّ : « تقول : سمعت رجلا يقول كذا ، وسمعت زيدا يتكلم ، فتوقع الفعل على الرجل ، وتحذف المسموع ؛ لأنك وصفته بما يسمع ، أو جعلته حالا منه ، فأغناك عن ذكره ، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بدّ ، وأن تقول : سمعت كلام فلان أو قوله » . وهذا قول الجمهور المتقدم ذكره . إلا أن أبا حيّان اعترض عليه ، فقال « وقوله : ولولا الوصف أو الحال . . . إلى آخره ، ليس كذلك ، بل لا يكون وصف ولا حال ، ويدخل « سمع » على ذات لا على مسموع ، وذلك إذا كان في الكلام ما يشعر بالمسموع - وإن لم يكن وصفا ولا حالا - ومنه قوله تعالى : هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ [ الشعراء : 72 ] فأغنى ذكر ظرف الدعاء عن ذكر المسموع » . وأجاز أبو البقاء في « ينادي » أن تكون في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في « مناديا » . فإن قيل : ما الفائدة في الجمع بين « مناديا » و « ينادي » ؟ فأجاب الزمخشريّ بأنه ذكر النداء مطلقا ، ثم مقيّدا بالإيمان ، تفخيما لشأن المنادي ؛ لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان ، ونحوه قولك : مررت بهاد يهدي للإسلام ، وذلك أن المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب ، أو لإطفاء الثائرة ، أو لإغاثة المكروب ، أو لكفاية بعض النوازل ، أو لبعض المنافع وكذلك الهادي يطلق على من يهدي للطريق ، ويهدي لسداد الرأي ، وغير ذلك فإذا قلت : ينادي للإيمان ، ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخّمته .